محمد متولي الشعراوي

5990

تفسير الشعراوى

وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ( 123 ) [ البقرة ] وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان ، ولم يلتفتوا إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل ، والتأخير للشفاعة . والبلاغة الحقّة تتجلّى في الآيتين ؛ لأن القارئ لصدر كل آية منهما ، والفاهم للملكة اللغوية العربية يعرف أن عجز كل آية يناسب صدرها . ومن يقرأ قول الحق سبحانه : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ . . ( 48 ) [ البقرة ] يرى أنه أمام نفسين : النفس « 1 » الأولى هي التي تقدّم الشفاعة ، والنفس الثانية هي المشفوع لها . والشفاعة هنا لا تقبل من النفس الأولى الشافعة ، وكذلك لا يقبل العدل . وفي الآية الثانية لا تقبل الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها ، فهي تحاول أن تقدم العدل أولا ، ثم حين لا ينفعها تأتى بالشفيع . وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسبا للموقف في كل منهما . وهنا يقول الحق سبحانه : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ . . ( 54 ) [ يونس ] وفي هذا القول تعذّر ملك النفس الواحدة لكل ما في الأرض ، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن تستطيع الافتداء به ؛ وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه :

--> ( 1 ) فالآية الأولى تتحدث عن عدم القبول من النفس الشافعة ، والآية الثانية تتحدث عن عدم قبول العدل أولا والشفاعة ثانيا من النفس المشفوع لها ، هذا ما يفهم من مرادات الشيخ رضى اللّه عنه .